الفكر السياسي المسيحي
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة دائرة المرأة العالمية في نيويورك موضوع رقم ( 5 ك 908 ظ 3 ر 4 ل 2 ) حقوق النشر محفوظة
القديس توماس الاكويني (1224 ـ 1274م)
يبدو من القديس توماس تعظيم الفكر الأرسطي كما يشير في تعليقته على كتاب السياسات لأرسطو بما أنّ أهم علم هو ذلك الّذي يتناول أنبل الأشياء وأكملها فلابد أن تكون السياسة أهم العلوم العملية وأن تكون حجر الزاوية في جميع هذه العلوم لأنه يتناول الخير الأسمى والأنبل في الشؤون الإنسانية ولذلك يقول الفيلسوف أرسطو في الباب العاشر من كتاب الأخلاق أنّ الفلسفة التي تتناول الشؤون الإنسانية تجد كمالها في السياسة ويتطرق توماس بعد ذلك إلى إقرار المنهج الّذي وضعه أرسطو لعلم السياسة فيقول: إنّ العلوم النظرية تدرس كلاً ما من الكلات وتتم معرفتها له بملاحظة أجزاء هذا الكل ومبدئه فتلقى ضوء أعلى الأفعال والتغييرات الحادثة في هذا الكل ويدرس علم السياسة أيضا مبادىء المدنية وتختلف اجزاؤها فيزيد معرفتنا بها ويلقي ضوءاً على عناصرها وتغيراتها وبما أنه علم عملي فإنه يبين لنا كيفية السير بهذه العناصر في طريق الكمال لأنّ هذا ضروري في كل علم عملي .
ويمكننا أن نتناول فلسفة توماس بما ذكره جورد سباين في كتابه تطور الفكر السياسي أنها عبارة عن تجربة القصد منها توحيد عام ونظام شامل مفتاحه الوفاق والتنسيق فعنده أن الاله والطبيعة اكبر واغنى من ان يضيقا بايجاد محراب يسع كل الخلافات التي تنتاب وجود الحدود وعنده أيضا أنّ علوم الإنسان تكون وحدة كما ان هناك علوما معينة كل منها يختص بموضوع معين هذه العلوم فسيحة واسعة المدى ولكنها اقل تعميما وفوق هذه العلوم علم الفلسفة وهو نظام عقلي يسعى لوضع مبادي عامة مستمدة من جميع العلوم يأتي بعد هذا علم اللاهوت المسيحي وهو يعلو على العقل ويعتمد على الوحي الآلهي .
ويعتقد توماس بأن الكون عبارة عن نظام مرتب يمتد درجاته تبدأ من الآله في علاه وتنتهي عند ادنى المخلوقات ويعمل كل كائن منها بدافع داخلي مستمد من طبيعته مجاهدا في سبيل الخير أو الكمال الملائم لطبقته من المخلوقات ويستمر مجاهداً حتى يأخذ مكانه في هذا النظام التصاعدي حسب درجة الكمال التي وصل إليها ويسيطر الأعلى في جميع الاحوال على الادنى ويفيد منه كما يسيطر اللّه على العالم أو كما تسيطر الروح على الجسد.
ويربط توماس الحياة الإجتماعية والسياسية بالحالة الطبيعية فعنده ان المجتمع كالطبيعة له اهداف وغايات تقضي على الادنى بأن يخدم الأعلى وأن يطيعه في حين أن على الاعلى أن يسود الادنى واقتبس توماس رأي ارسطو بأن المجتمع يعطي دور التبادل والخدمات للوصول إلى حياة طيبة يشترك بها المزارعون والمهنيون. فالزارع والصانع يمدان هذا المجتمع بالاحتياجات المادية والقسيس يسهم بالصلوات واقامة الشعائر الدينية، كما تسهم كل طائفة بالعمل الّذي تزاوله وتجيده ويقضي الخير العام للمجتمع بأن يكون لهذا النظام هيئة حاكمة تسيّر شئونه كما تسير الروح الجسد أو كما تتحكم طبيعة راقية في أخرى ادنى وقد شبه توماس تأسيس الدول والحكم فيها وتخطيط المدن وبناء القلاع واقامة الاسواق ورعاية التربية بالعناية الآلهية التي يخلق اللّه بها البشر ويدير امورهم .
ويرى توماس واجب الحاكم السياسي هو ان يرسى لسعادة البشر وذلك بأن يرعى الأمن والنظام ويحرص على أن تكون احتياجات الإدارة العامة والقضاء والدفاع مكفولة وأن يكافح ضد المفاسد حيثما وجدت .
ويذهب توماس أن من واجب الشعب القيام ضد الظلم لكي يحمي حقوقه وهو عامل أدبي لذا يجب على القائمين بالمقاومة أن يتحققوا من أن عملهم اقل ضررا بالخير العام من الفساد والّذي هبوا يحاولون ازالته.
ويعد توماس الفتنة من الكبائر ولكنه لا يعد مقاومة الظلم فتنة مادام هناك مايسّوغها.
ويلزم توماس بعدم استخدام القوة إلاّ للصالح العام كما يعتقده ارسطو أيضا ولم يأت توماس بالجوانب الدستورية، وإنّما سار على ضوء ارسطو واشار إلى علاجين ناجعين ضد المستبدّين فقد افترض وجود حكومات تستمد سلطتها من الشعب وفي هذه الحالة يكون للشعب الحق في ان يفرض تطبيق الشروط التي بمقتضاها منحت السلطة للحاكم أما العلاج الثاني فيطبق في حالة وجود حاكم تابع لحاكم سياسي آخر أعلى منه وهنا يمكن الانتصاف منه برفع الأمر إلى رئيسه.
وقد أخذ توماس في احترام القانون وتبجيله واعتبر وجود الصلة بين القانون السماوي والقانون الإنساني . لأنه كان يعتقد بأن القانون شيء اوسع مدى من مجرد وسيلة لتنظيم علاقة الناس بعضهم ببعض فإنّ القانون عنده جزء لا يتجزأ من نظام الحكم الآلهي الّذي يسيطر على كل شيء في السماء والأرض بل لقد كان يعتبره قبسا من حكمة اللّه ينظم العلاقات بين جميع المخلوقات الحي منها وغير الحي والإنسان والحيوان .
ويعتقد توماس أن الحاكم غير الشرعي ثائر ضد النظام الآلهي الّذي يدبر اللّه به شؤون العالم .
ويصف القانون بصورة عامة بأنه شريعة تستهدف الخير العام أملاها العقل وصاغها من يرعى شؤون الجماعة ثم اشتهرت .
ويرى تومات العلاقة بين القانون الإنساني والقانون الطبيعي واستخدام القوة تسري عليه الفطرة الإنسانية فالقتل العمد مثلاً يعتبر عملاً ضد الطبيعة حيث لا يتفق مع الأمن والنظام ولكن جهة الفرق بينهما أن القانون الطبيعي لا يفرق بين انواع القتل والقانون الإنساني يجعل التفرقة بين انواع القتل حتى سار على وفقه في ربط القانون الطبيعي بالقانون الإنساني (جون لوك) فالحاكم عندهما خاضع للعقل والشعب خاضع للقانون.
هذه مجموعة آراء توماس بإختصار ولكن نورد بعض ما يخطر في خلدنا حول آرائة.
ويرى توماس اهمية السياسة على سائر العلوم ولا يخلو فاما أن تكون الأهمية بلحاظ الموضوع أو الغاية والموضوع لابد ان يحتوي على مصالح اكثر اهمية من بقية موضوعات العلوم وهذا يحتاج إلى فحص الأجزاء والابواب ومقارنة كل باب مع الابواب الأخرى في كل علم إذ ربما تكون الأهمية في بعض الابواب ولا تسري في بقية الابواب الاخرى واما بلحاظ اهمية الغاية، فالغاية التي تأتي من طرف الشريعة الآلهية وهي خير من بقية الغايات هذا مع أن الغاية تختلف بإختلاف الموضوع والأهمية أنما تعتبر إذا توحّدت العلوم في موضوع واحد وغاية واحدة دون ما لو كانت العلوم مختلفة بحسب الموضوع والغرض الحديثيّة.
ونتقبل رجحان العلوم التي تأتي من زاوية الوحي الآلهي فأنها بطبيعة الحال لها قداستها وسموّ ذاتها بما حملته من طابع مشرف يكاد سنابرقها يضيئ على بقية العلوم الفلسفية وغيرها.
وننظر إلى ما ذهب إليه توماس بأن كل كائن يعمل منها بدافع داخلي مستمد من طبيعته فغير مقبول لامتداد الفيض الإلهي في الوجود حدوثا وبقاءاً وليس مجرد الحدوث فقط؛ لإنّ العلة المحدثة مبقية ومقايسة سيطرة الأعلى على الأدنى في النطاق البشري على سيطرة اللّه لموجوداته قياس مع الفارق لأنّ السيطرة على المخلوقات أخذت على تمام العدل ولكن سيطرة البشر بعضه على بعض ربما كان الغالب فيه على خلاف العدل سوى الشرائع الإلهية.
أمّا ربط الحياة الإجتماعيّة والسياسية بالحياة الطبيعة ولكن هذا لا يدعنا أن نجعلها تحت سنن عامة لأنّ الطبيعة في الكائن الحي تكون بمدد غريزي كالنحل وبعض الطيور فأن فيها دافع الخضوع من قبل الأدنى للأعلى ولكن لا يتعقل بخلاف ما عليه وجود الإنسان فأن أنقياده تارة بنحو الحقيقة ولا يكون ذلك إلاّ لمن له أهلية الخضوع والتذلل ولا يكون إلاّ على اللّه، وأخرى بنحو المجازية والعلاقة وهو ما يتعاطاه سائر المجتمعات إلى رؤسائها فإن الأنقياد لهم على وجه المجاز والعلاقة لعدم الأهلية لهم وإن كان منهم على نحو الادعاء.
أما اعترافه بالكفاح ضد المفاسد فقد جاء به الدستور الإسلامي وأسماه بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر على طبق الشروط المقررة في ناحية التأثير والاستجابة واقل مراتبه الانكار بالقلب ويسمى بأضعف الإيمان، وقيام الشعب ضد الظلم إذا كان الشعب يرتبط بالمباديء المسيحية، وإنّ الظلم من قبل القادة جاء على خلاف النظام التي جاءت بها الشريعة المسيحية فليس القيام عاملاً اديبا وأنّما هو واجب شرعي.
وأما رأيه حول الفتنة ليست من الكبائر إذا كانت في مقاومة الظلم لوجود مسوغ لها فذات الفتن من القبائح والرذائل فإذا استخدمت لمصلحة نوعية، فلا بد ان يكون القائم بها صاحب معرفة ودراية في التصرف والاداء المصلحة الشخصية من قبل المشرع الوضعي أو الحاكم الشرعي لأن السواد تأخذهم نظرة الانفعالات وعدم درك المصالح الواقعية فألاصل الأولي في الفتنة غير جائزة ودخولها في إطار المصلحة للدفاع عن الظلم تكون بألأدلة الثانوية التي يقررها الحاكم الشرعي.
وإمّا مسألة استخدام القوة فتختلف بحسب الموضوع والمورد على ما يذكره فقهاء المسلمين في مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثر دور الاستجابهوعدمها أمام المنكرين وقد يصل الدفاع بالقوة إذا كانت للحفاظ على المصلحة العامة فيما إذا استلزم السكوت انتشار الفساد ودخوله في طابع المعتقدات فقد ورد القرآن في هذا النوع بقوله تعالى: «وجاهدوا بأموالكم وانفسكم».
وأما اشارته إلى العلاجين للمستبد فأخذ الحق من الحاكم المستبد لأنه أخلّ بالشروط التي فرضها الشعب على الحاكم ومقتضى عدم التزامه بالشروط لابد أن يفرض الشعب تلك الشروط على الحاكم لأن السلطة لم تات من قبل آخر غير الشعب، وإنّما كانت مستمدة منه فعليه أن يقوم في الدفاع عن حقوقه التي استولى عليها الحاكم المستبد فاستيلاؤه على حق الشعب غير شرعي وعليه أن يسلم الحق لأصحابه الشرعيين، وأما إذا كان الحاكم قد أخذ قدرته من حاكم أعلى فيلزم على الحاكم الأعلى أن يرفعه أن يلزمة بأداء حقوق الشعب وذهب جون سالسبري إلى أن القانون هو رباط دائم يسري في جميع العلاقات الانسانية بما فيها علاقة الحاكم بالمحكومين وعلى ذلك فهو ملزم للملك والرعية على السواء، وقد بلغ من تمسك جون بهذه النظرية أنه علق أهمية كبيرة على الفرق بين الملك الصالح والملك المستبد وكان لكتابته من بين كتابات العصور الوسطى السياسية القدح المعلى في تسطير اول دفاع صريح عن مبدأ قتل الحاكم المستبد أن من يغتصب السيف خليق أن يموت به وهناك فرق رئيسي واحد بين الطاغية والأمير الصالح هو أن الاخير يطيع القانون ويحكم بين الناس بما يمليه عليه ويعتبر نفسه خادما لهم وهو يفضل القانون وحده يجد التأييد في مطالبته بتولى أعظم وظيفة رئيسية في إدارة شؤون الكومنولث أي عامة المجتمع.
واحترام القانون مرتبط بقانون العقل فأن العقل يرى الالتزام إذا كان في صالح الشعب وجاء على طبق العدالة الواقعية ووجود الصلة بين القانون السماوي والإنساني على اساس كونه قانونا، وإمّا النظر إلى طبيعة القانون ومقوماته فتختلف هوية القانون السماوي عن القانون الإنساني على ما ذكرناه في كتابنا علم الإجتماع، بأن القانون السماوي منتزع من واقع الإنسان وفطرته. فهو عبارة عن الفضائل النفسانية قد استخرجها المشرع بصياغة قانونية بخلاف القانون الوضعي الّذي جاء من قبل الإنسان فإنة لا يمكنه التطلع التام على واقع المجتمع البشري وانتزاع تلك الصفات النفسانية وجعلها في قالب قانوني يتماشى مع كافة المجتمع وجعل المصلحة بين القانون الآلهي والإنساني على اساس الحكم التشريعي المولوي غير تام وأنما الالتزام بالقانون يأتي عن طريق الحكم العقلي، كما يبدو من توماس خلطه بين طبيعة القانون الآلهي والقانون الوضعي فيجعلهما من صفقة واحدة حيث يعبر عن القانون بوجه عام أنه جزء لا يتجزأ من النظام الحكم الآلهي وفي مجال آخر تجد توماس جعل المصلحة بين القانون الإنساني والقانون الطبيعي ولكن عند التأمل نجد الاختلاف بينهما جوهري.
المصدر بحث رقم (259) اية الله ال شبير الخاقاني تحقيق الدكتور الشيخ سجاد الشمري
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق